الشيخ محمد الصادقي
259
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وترى إن اللّه يدله على موارد إضلاله ؟ كلا ! وإنما يدلنا على مجاري ضلاله ومناهل اعتقاله . وتحتصر الآية فيما تختصر قدر المستطاع من كيد الشيطان ، ولكي نكون على نبهة وأهبة في مواجهته بما زودنا من طاقات ، وتزيدنا نجاحا في هذا النضال مواعيد ربنا « تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا » ( 19 : 63 ) « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا » . فهناك خطوة إبليسية أولى : « وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ » : فما هو صوته وما هو استفزازه بصوته ؟ . الاستفزاز هو الاستخفاف الإزعاج من الفز : ولد البقرة لما تصور فيه من الخفة كما يسمى عجلا لما تصور فيه من العجلة ، ولا يحمل على العصيان ولا يحتنك للشيطان إلّا من يستفز استخفافا عن ثقله ، وكما أن فرعون « فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ » ( 43 : 54 ) وأراد ان يستفز بني إسرائيل فثبتّهم موسى « فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً » ( 17 : 103 ) وكادوا ليستفزوا الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ولكن « وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا » ( 17 : 76 ) . ليس للشيطان ان يستفز عباد الرحمن بعقلية راجحة أو بحجة ووعد الصدق ، وانما بما يزين لهم في الأرض : « قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 15 : 40 ) . وللشيطان صوتان يستفزان ، صوت يلهي بما يشهيّ من غنى وموسيقا